ابن رشد

252

تهافت التهافت

ويسمع وهو لا يرى ولا يسمع . ولو قال قائل : الموجود ينقسم إلى البصير والأعمى والعالم والجاهل فليكن البصير أقدم وليكن الأول بصيرا وعالما بالأشياء . لكنهم ينكرون ذلك ويقولون : ليس الشرف في البصر والعلم بالأشياء ، بل في الاستغناء عن البصر والعلم وكون الذات بحيث يوجد منها الكل الذي فيه العلماء وذوو الأبصار ، فكذلك لا شرف في معرفة الذات ، بل في كونه مبدأ الذوات العرافة وهذا شرف مخصوص به . فبالضرورة يضطرون إلى نفي علمه أيضا بذاته ، إذ لا يدل على شيء من ذلك سوى الإرادة ، ولا يدل على الإرادة سوى حدوث العالم وبفساد ذلك يفسد هذا كله على من يأخذ هذه الأمور من نظر العقل . فجميع ما ذكروه من صفات الأول أو نفوه لا حجة لهم عليها إلا تخمينات وظنون يستنكف الفقهاء منها في الظنيات ، ولا غرو لو حار العقل في الصفات الإلهية ، ولا عجب إنما العجب من عجبهم بأنفسهم وبأدلتهم ومن اعتقادهم أنهم عرفوا هذه الأمور معرفة يقينية مع ما فيها من الخبط والخبال . قلت : من أعجب الأشياء دعواهم أن حدوث العالم يلزم عنه أن يكون عن إرادة والحوادث نجدها تحدث عن الطبيعة وعن الإرادة وعن الاتفاق . أما التي تحدث عن الإرادة فهي الأمور الصناعية ، وأما التي تحدث عن الطبيعة وهي الأمور الطبيعية ، ولو كان الحادث لا يحدث إلا عن إرادة لكانت الإرادة مأخوذة في حده . ومعلوم أن حد الحادث هو الموجود بعد العدم . والعالم إن كان حادثا فهو أن يحدث من حيث هو موجود طبيعي عن مبادئ أمور طبيعية أحرى منه أن يحدث من مبادئ صناعية وهي الإرادة ، ولكن إذا ثبت أنه وجد عن فاعل أول آثر وجوده على عدمه وجب أن يكون مريدا ، وإن كان لم يزل مؤثرا للوجود والمريد كما قال يلزم أن يكون عالما ، فقد شاركتهم الفلاسفة في هذا الأصل والقول كله الذي حكاه عن المتكلمين إنما صار مقنعا لأن فيه تشبيه الأمور الطبيعية بالأمور الصناعية . . وأما قوله عن الفلاسفة : إنهم يرون أن ما يصدر عن الباري سبحانه يصدر على طريق الطبع فقول باطل عليهم . والذي يرون في الحقيقة : إن صدور الموجودات عنه هو بجهة أعلى من الطبيعة والإرادة الإنسانية ، فإن كلتا الجهتين يلحقهما النقصان وليس تقتسمان الصدق والكذب إذ قام البرهان أنه لا يجوز أن يكون صدور الفعل عنه سبحانه صدورا طبيعيا ولا صدورا إراديا على نحو مفهوم الإرادة هاهنا . فإن الإرادة في الحيوان هي مبدأ الحركة ، وإذا كان الخالق يتنزه عن حركة فهو يتنزه عن مبدأ الحركة على الجهة التي يكون بها المريد في